عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

371

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

حصار عكا الذي دام نحو سنتين حتى حل البلاء بأهلها ، وفقدت الطعام والماء الزلال ، وكما حدث في حصار طبرية واللاذقية وفي موقعة حطين عام 583 ه . وكأنما قدر لمصر وبلاد الشام في عهد الأيوبيين أن تعيش في قلق وعدم استقرار وحروب تهددها في كل حين . وطبيعي عندما تهدد الحروب والنكبات أمة ما أن تنضب أغذيتها ويجف معين الأطعمة فيها ، وينسى الناس لذاتهم وشهواتهم ، وينجون بأنفسهم لا يلوون على طعام أو مسكن أو كساء . وهذا ما حدث في سنة 606 ه في عصر ابن العديم فقد كان من عادة الملوك الأيوبيين أن يخربوا البلاد عندما يحاول العدو اقتحامها لئلا تقع في قبضة الفرنجة الصليبيين ، وهذا مما يعرض أهلها للتشرد والجوع والمرض ، ويقضي على انتاجها الزراعي ، وعلى ما ادخره القوم من طعام ومؤونة لأيام الشدة العصيبة إثر الفواجع والنكبات . وعندما هددت مدينة القدس سنة 616 ه . أمر بخرابها الملك المعظم عيسى صاحب دمشق ، « وشرعوا في خراب السور أول يوم من المحرم ، ووقع في البلد ضجة عظيمة وخرج النساء المخدرات والبنات والشيوخ وغيرهم إلى الصخرة والأقصى ، وقطعوا شعورهم ، ومزقوا ثيابهم ثم خرجوا هاربين ، وتركوا أموالهم وأهاليهم وما شكوا أن الفرنج تصبحهم ، وامتلأت بهم الطرقات ، فتوجه بعضهم إلى مصر ، وبعضهم إلى الكرك ، وبعضهم إلى دمشق ، وكانت البنات المخدرات يمزقن ثيابهن ويربطنها على أرجلهن من الحفا ، ومات خلق كثير من الجوع والعطش ، ونهبت الأموال التي كانت لهم في القدس ، وبلغ ثمن القنطار الزيت عشرة دراهم ، والرطل النحاس نصف درهم ، وذم الناس المعظم « 1 » » . وهذا ما حدث أيضا حين أمر السلطان صلاح الدين بحرق مدينة عسقلان « 2 » في التاسع عشر من شهر شعبان سنة 587 ه ، لئلا يتمكن الفرنج من الدنو منها ، ولئلا

--> ( 1 ) النجوم الزاهرة : ج 6 ، ص 244 . الملك المعظم : هو عيسى صاحب دمشق ، وهو الذي اقترح خراب القدس قائلا : لو أخذ الفرنج القدس حكموا على الشام جميعه . ( 2 ) اشقلون قديما ، مدينة كنعانية على ساحل فلسطين جنوبا . احتلها الفلسطينيون فأصبحت إحدى مدنهم الخمس الكبرى ، وكانت موقعا عسكريا في الحروب الصليبية ، وقد أحرقها صلاح الدين .